الجاحظ
21
كتاب البغال
* [ باب ولع الاشراف بالبغال ] * نبدأ إن شاء اللّه ، بما وصف الأشراف من شأن البغلة ، في حسن سيرتها ، وتمام خلقها ، والأمور الدالّة على السرّ الذي في جوهرها ، وعلى وجوه الارتفاق بها ، وعلى تصرّفها في منافعها ، وعلى خفّة مئونتها في التنقّل في أمكنتها وأزمنتها ، ولم كلف الأشراف بارتباطها ، مع كثرة ما يزعمون من عيوبها ولم آثروها على ما هو أدوم طهارة خلق منها وكيف ظهر فضلها مع النقص الذي هو فيها ؟ وكيف اغتفروا مكروه ما فيها ، لما وجدوا من خصال المحبوب فيها ؟ حتى صار الرجل منهم ينشد العذّال « 1 » فيها كقول السّعديّ : أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه * تلوّن ألوانا علىّ خطوبها إذا عبت منه خصلة فهجرته * دعتني إليه خصلة لا أعيبها ولقد كلف بارتباطها الأشراف . حتى لقّب بعضهم من أجل اشتهاره بها ب « روّاض البغال » ، ولقّبوا آخر : ب « عاشق البغل » ؛ هذا مع طيب مغارسهم ، وكرم نصابهم ، ولذلك قال الشاعر :
--> ( 1 ) العذال : جمع العاذل أي اللائم .